الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



مقدمة:

نحن نعيش في عالم يتسم بالتغير والتعقيد والمفارقة، فقد خفض النمو الاقتصادي وكثرت معدلات الفقر على المستوى العالمي وزادت اللا مساواة وتصاعد الاستبعاد والعنف داخل المجتمع وتدهورت البيئة مع زيادة طفرة الكوارث الطبيعية ، وقد تم توطيد الأطر الدولية لحقوق الإنسان ولكن لازال تطبيق المعايير وحمايتها تحديًا يعترض سبيلنا، في حين يقود التقدم التكنولوجي إلى مزيد من الترابط ويفسح المسالك الجديدة للتبادل والتعاون والتضامن نشهد أيضًا تفشي التعصب الثقافي والديني وازدياد التعبئة السياسية على أساس هوية الانتماء وكثرة نشوب النزاعات،  إلا أن هذه التغيرات تؤشر بظهور سياق عالمي جديد للتعلم له آثار حيوية على التربية والتعليم ، لذا أصبحت الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في مقاصد التربية والتعليم وفي تنظيم التعلم أكثر إلحاحًا مما كانت عليه في أي وقت مضى .

فرؤية هذا الكتاب : رؤية إنسانية في التربية والتنمية مبنية على :

احترام حياة الإنسان وكرامته ، وعلى المساواة في الحقوق والعدالة الاجتماعية، والتنوع الثقافي والتضامن الدولي والمسؤولية المشتركة عن العمل من أجل مستقبل مستدام ، فلذلك علينا أن نعتبر أن التعليم والمعرفة صالحًا مشتركًا عالميًا سعيًا إلى التوفيق بين مقاصد التربية والتعليم وتنظيمهما كمجهود مجتمعي جماعي في عالم معقد .

لذلك ما نوع التعليم الذي نحتاجه  للقرن الحادي والعشرين ؟ وما هي مقاصد التعليم في سياق التحول المجتمعي الراهن؟ وكيف ينبغي تنظيم التعلم؟

إن العالم على تغير فلابد أن يحدث تغير في التربية والتعليم ، والمجتمعات تخوض تحولات عميقة مما يستدعى أشكالا جديدة من التربية والتعليم تشجع الكفاءات وهذا يعنى لازوم تخطي تعليم القراءة والحساب إلى التركيز على بيئات التعلم  ونهوج جديدة قائمة على العدالة والإنصاف الاجتماعي والتضامن العالمي ، مع محو الأمية الثقافية  على أساس الاحترام والتساوي في الكرامة من أجل الاسهام في نسج الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للتنمية المستدامة .

 هذا التغير في المجتمع لابد من مقابل له وهو الحوار المستلهم من الرؤية الإنسانية التعليم والتنمية ، مبينة على احترام الحياة وكرامة الإنسان ، وعلى التساوي في الحقوق والعدالة الاجتماعية والتنوع الثقافي والتضامن الدولي والتشارك في المسؤولية من أجل مستقبل مستدام .

التنمية المستدامة : شاغل محوري ..

بفضل النمو الاقتصادي وابتداع الثورة انخفضت معدلات الفقر على المستوى العالمي ولكن ازداد ضعف الحال واللامساواة والاستبعاد والعنف عبر العالم داخل المجتمعات ، حيث إن الإنماط الاقتصادية غير القابلة للاستدامة إنتاجًا واستهلاكًا تسهم في الاحترار العالمي وتدهور البيئة وحدوث طفرة في الكوارث الطبيعية  مثال فالنساء رغم تمكينهن تدريجيًا من خلال نفعهن بالتعليم فهن يزلن يعانين  التمييز في الحياة العامة وفي حياة العمل مع ممارسة العنف ضد النساء والأطفال والفتيات، فنحن نشهد تطورًا تكنولوجي يسهم في مزيد من الترابط بين البشر ويتيح سبلا جديدة واسعة للتعاون والتضامن بينهم و نشهد أيضًا تفاقما في التعصب الثقافي والديني وفي التعبئة السياسية والنزاعات المبنية  على هوية الانتماء.

ولذا يجب على التربية أن تجد السبل لمواجهة هذه التحديات مراعية تعدد تصورات العالم والأنظمة المعرفية المغايرة ومراعية التخوم الجديدة التى وصل إليها العلم والتكنولوجيا.

 لذلك ليس التعليم وحده يأمل أن يحل جميع مشاكل التنمية ولكن عن طريق الاعتماد على نهج إنساني شامل يستطيع أن يسهم في تحقيق نموذج إنمائي جديد، وفي هذا النموذج يجب أن يسترشد النمو الاقتصادي برعاية البيئة والاهتمام بالسلام والاندماج والعدالة الاجتماعية لأن المباديء الأخلاقية التي يقوم عليها النهج الإنساني في التنمية  تقف بوجه العنف والتعصب والتمييز والاستبعاد.

وفيما يخص التعليم والتعلم  فهو يتطلب نهجًا منفتحًا ومرنًا في تعلم مستمر مدى الحياة ويشمل كل جوانبها من أجل مستقبل قابل للاستدامة وحياة كريمة.

صنع السياسة محليًا وعالميًا في عالم معقد:

تطرح سويات التعقيد الاجتماعي والاقتصادي المتصاعدة عددًا من التحديات على صناع السياسة التعليمية ، حيث إن تكثيف العولمة الاقتصادية ينتج أنماط  نمو منخفضة العمالة مما يستتبع من تصاعد بطالة الشباب مع الانفكاك والنزعات بين التعليم والعمل سريع التغير، وهذا يتطلب إعادة النظر في الصلة بين التعليم والتنمية مع ظهور أنماط جيدة لنقل المعارف والمهارات التي تتطلب طرائق جديدة للاعتراف بمحصلات التعلم ، ومن ناحية المواطنة يجب النهوض بالوعي وحس المسئوولية تجاه الغير في عالم متزايد الترابط والتكافل .

حيث إن انتشار الانتفاع بالتعليم في شتي أنحاء العالم زاد الضغط على التمويل العام مع زيادة الطلب على إبداء الرأي في الشئون العامة وعلى إشراك الفعاليات غير الحكومية في التعليم على المستويين الوطني والعالمي أي توجد حاجة متنامية إلى التوفيق بين إسهام وطلب النواظم الثلاثة للسلوك الاجتماعي: المجتمع والدولة والسوق.

وضع التربية والمعرفة في السياق الجديد كصالح مشترك عالمي:

إن الحق في التعليم ومفهومه يشيران إلى التعليم كحق إنساني وكصالح عام ، فالحق في التعليم مبدأ الصالح العام ينطبق على التعليم غير النظامي والتعليم غير الرسمي ولذلك يتوجب الاهتمام بالمعرفة من حيث هي معلومات ومدارك ومهارات وقيم ومواقف مكتسبة بالتعلم .

فالمعرفة والتعليم تعدان صالحًا مشتركًا وهذا يتضمن ابتكار المعرفة واكتسابها وإقرار صلاحيتها واستعمالها كأمور مشتركة لجميع الناس وكجزء من مسعى مجتمعي جماعي .

اعتبارات مستقبلية :

إن دعائم التعلم الأربع التي أقرها ديلور : تعلم لتعرف وتعلم لتعمل وتعلم لتكون وتعلم للعيش معًا؛

( المعرفة والعمل والكيان والعيش معًا)  بالرغم من بقائها صالحة لكل عصر ولكل سياق ولكن أصبحت تهددها العولمة وبالتالي لابد من عودة ظهور السياسات المؤكدة على هوية الانتماء.

دعوة إلى الحوار.

( التعليم يولد الثقة بالنفس ، والثقة بالنفس تولد الرجاء") كنفوشيوس فيلسوف صيني.

إن الرؤية الجديدة للتربية والتعليم في عالم متغير سريع  مبنية على أساس المباديء التالية :

احترام الحياة وكرامة الإنسان والتساوي في الحقوق والعدالة الاجتماعية واحترام التنوع الثقافي والتضامن الدولي والتشارك في المسؤولية.

النظر في الماضي لاستشراق المستقبل :

عند تكوين رؤية جديدة للتعلم من أجل المستقبل فيجب أن تبني على ما وصلنا إليه من التحليلات الماضية ، فتقرير فور الصادر عام 1972م، أقام فيه مفهومين مترابطين هما:

المجتمع المتعلم والتعلم المستمر ، وبناء على ما ورد في التقرير نظرًا لتسارع التقدم التكنولوجي والتغير الاجتماعي لا يمكن لأحد أن يظن أن تعليمه الأصلي سيستخدمه مدى الحياة  ولذلك فعلى المدرسة وإن بقيت السبيل الوحيد لإيصال المعرفة المنظمة من أن تستكمل بفضل جوانب أخرى من الحياة الاجتماعية كالمؤسسات الاجتماعية وبيئة التعلم ووسائل الإعلام ، مع التأكيد على حق كل شخص في التعلم وحاجته إلى التعلم من أجل نمائه الشخصي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي ، مع التأكيد على أن التعليم مدي الحياة هو ركيزة السياسات التعليمية في البلدان المتقدمة والنامية على السواء .

ثم أعلن تقرير ديلور الصادر عام 1996 حيث شمل رؤية متكاملة للتربية والتعليم مبنية على مفهومين رئيسيين أولهما : التعلم مدى الحياة وثانيهما دعائم التعلم الأربع: المعرفة والعمل والعيش معا والكينونة ، حيث إن إعداد الشخص بكامله جزء جوهري من مقصود التربية والتعليم، ولا شك أن تقريري( فور وديلور ) قد ألهما سياسة التربية والتعليم في مختلف أنحاء العالم، ولكن الآن نحن ندخل في مرحلة تاريخية جديدة متسمة بترابط المجتمعات وتكافلها وبمستويات جديدة من التعقيد والارتياب والتوتر.

سياق عالمي جديد للتعلم :

قد أسفرت تكثيف العولمة الاقتصادية عن خفض نسبة الفقر عالميًا ولكنها أنتجت أنماطًا من النمو ينخفض  فيها معدل العمالة مما يزيد من بطالة الشباب والعمالة الهشة ، وتعمل العولمة الاقتصادية على تعميق أشكال اللامساواة بين الأقطار وتسهم الأنظمة التعليمية في ترسيخ هذه الفوارق إذ تغفل احتياجات الطلاب التعليمية في المناطق المحرومة والبلدان الفقيرة في حين تجمع فرص التعليم تجميعًا كثيفًا في أوساط الميسورين وجاعلة جودة التعليم حكرًا على فئة دون غيرها من الناس.

فأنماط النمو الاقتصادي تستنفد الموارد الطبيعية غير المتجددة وتلوث البيئة مع الاشتداد في التعصب الثقافي والديني والتعبئة السياسية على أساس هوية الانتماء مع تصاعد الإرهاب والعنف المرتبط  بالمخدرات وتفشي الحروب والنزاعات الداخلية وحتى العنف داخل الأسرة والمدرسة كل هذا يترك أثره على التربية والتعليم من حيث القدرة على الإعداد بما يؤاتي العيش المشترك وإبراز القيم وتكوين المواقف ، حيث إن نتيجة هذه النزعات والعنف تحرم نحو 30 مليون طفل من حقهم في التعليم الأساسي مما يؤدى إلى نشوء أجيال من الأشخاص غير المتعلمين .

فزيادة الطلب على إبداء الرأى في الشؤون العامة في سياق حوكمة متغير محليًا وعالميًا مع التقدم المذهل في مجال الاتصال بشبكة الإنترنت والتكنولوحيات المحمولة والوسائل الرقمية مع اقتران هذا التقدم بتعميم الانتفاع بالتعليم العام وقيام أشكال مختلفة من التعليم الخاص كل هذا لابد أن يؤخذ في تحويل أنماط الالتزام الاجتماعى والمدنى والسياسى فلابد من إعادة النظر في طريقة الاعتراف بنتائج التعلم والكفاءات وإقرار صحتها وتقييمها.

ولابد من فهم طبيعة التعلم ودور المعرفة والتربية والتعليم في التنمية البشرية مع إعادة النظر في مقاصد التربية والتعليم في تنظيم التعلم.

ما المقصود بالمعرفة والتعلم والتعليم ؟

تعد المعرفة الركن الأساسي  لأي مناقشة لموضوع التعلم ، وهي الطريقة التي يضيف بها الأفراد والمجتمعات معنى على التجربة .

أو هي عبارة عن معلومات ومفاهيم ومهارات وقيم ومواقف اكتسبت بالتعلم، وهي مرتبطة بالسايق الثقافي والاجتماعي والبيئي والمؤسسي الذي صنعت فيه واستنسخت منه.

التعلم: هو عملية اكتساب هذه المعرفة ، فهو عملية ونتيجة معًا، وسيلة وغاية، في آن واحد ، ممارسة فردية ومجهود جماعي، فهو متعدد الجوانب يعرفه السياق،  فما هي المعرفة المكتسبة؟ ولماذا تكتسب؟ وأين ومتى؟ وكيف تستعمل؟ .

التعليم : هو التعلم المتروي والمقصود والهادف والمنظم ، وتفترض فرص التعليم النظامي وغير النظامي وجود بنية ما مؤسسية، ولكن قدرًا كبيرًا من التعلم أقل ارتهانًا بالبنية المؤسسية .

هذا التعليم غير الرسمي الأقل تنظيمًا وهيكلية من التعليم النظامي والتعليم غير النظامي قد يشتمل على أنشطة  تعلم تحصل في مكان العمل وداخل المجتمع المحلي وفي الحياة اليومية وعلى أساس توجه ذاتي أو توجيه أسري أو توجيه اجتماعي.

والكثير مما نتعلمه في الحياة  ليس مترويًا ولا مقصودًا فهذا التعلم غير الرسمي ملازم لجميع خبرات الاندماج الاجتماعي .

 التنمية المستدامة : شاغل محوري :

الاستدامة تعنى:

العمل المسؤول من جانب الأفراد والمجتمعات على تهيئة مستقبل أفضل للجميع محليًا وعالميًا ، مستقبل تكون فيه العدالة الاجتماعية ورعاية البيئة نبراس التنمية الاجتماعية والاقتصادية .

أوجد تقرير ديلور عددًا من التوترات المتولدة عن التغير التكنولوجي والاقتصادي والاجتماعي:

التوترات بين العالمي والمحلي وبين الكلي والجزئي وبين التقليد والحداثة وبين الروحي والمادي وبين الاعتبارات الطويلة الأجل والقصيرة وبين حاجة المنافسة ومثالية تكافؤ الفرص وبين توسع المعارف ومقدرتنا على تمثلها ، مع إنشاء  توترات جديدة مثل أنماط النمو الاقتصادي وتزايد اللامساواة واشتداد الضغط الإيكولوجي والأنماط الاقتصادية غير القابلة للاستدامة إنتاجًا واستهلاكًا  وتفاقم التعصب والعنف .

ففي الفترة الأخيرة من القرن العشرين تضاعف استعمال الماء وزاد استهلاك الأطعمة وإنتاجها مع ارتفاع عدد سكان العالم وزيادة الكوارث الطبيعية وتدهور الموارد الطبيعية الحيوية مثل: الماء ،والخسارة في التنوع البيولوجي مع نقص الحماية الاجتماعية الأساسية في أغلب البلدان ، واللامساواة التي تعد مصدرًا للتوتر الاجتماعي وعامل حفاز لعدم الاستقرار السياسي والنزاع العنيف، فكل هذا أحدث آثارًاسلبية على البيئة والمناخ،  ولذلك فكل هذه التغيرات الحاصلة في عالم اليوم المترابط والمتكافل جلبت معها سويات جديدة من التعقيد والمفارقة وأفاقًا معرفية جديدة يلزمنا النظر فيها.

تنامي الترابط ، ولكن مع تصاعد التعصب والعنف:

أحدث تطور التكنولوجيات الرقمية الجديدة عن نمو خارق في حجم المعلومات والمعارف المتاحة مع تيسير النفاذ المباشر إليها لأعداد أكبر من الناس على امتداد العالم ، فتقوم تكنولوجيات المعلومات والاتصالات  بتشاطر المعارف والخبرات خدمة للتنمية المستدامة وبروح التضامن إلا أنه في نظر كثير من المراقبين  يشهد العالم تصاعدًا في سويات التعصب الإنثي والثقافي والديني واللغوي  ناجمًا عن استعمال نفس تكنولوجيات الاتصالات للتعبئة الإيديولوجية والسياسية  وكثيرًا ما تقود هذه التعبئة إلى الإمعان في العنف الإجرامي والسياسي وإلى النزاع المسلح.

بجانب انتشار ممارسة  العنف بحق النساء عن طريق الاغتصاب والبغاء القسري والإتجار بالجنس ، فالنساء أكثر عرضة للتهجير الداخلي مما ينتج عنه من انحطاط الظروف الصحية والتربوية مما يؤثر بدوره مباشرة على معاملة الأسر و الأطفال  وظروفهم .

فعلى التربية التوعية بالقضايا التي من شأنها إثارة النزاع مع إيجاد الوسائل الملائمة لحلها حلا عادلا ، وعلى التربية تعزيز مبدأ عدم التفرقة وحماية حياة جميع الناس وكرامتهم في أزمنة العنف والأزمات ، وهذا يستلزم أن تضمن للجميع بيئات تعلم سليمة خالية من العنف وتكون شاملة وفعالة .

حقوق الإنسان : أوجه التقدم والمصاعب:

الشعار الأمثل: أن يكون التعليم من أجل الإنسان، والإنسان من أجل التعليم في علاقة تبادلية تكاملية هو مطلب وتوجهٌ إنساني يأخذ نقاش التربية والتعليم إلى أبعد من الدور النفعي في تنمية الاقتصاد، إذ إنه ينطوي على شاغل مركزي يتوخّى الشمول، ويسعى من أجل تعليم لا يستبعد ولا يهمِّش، وهذا يتماشى مع ما أقرّته (إرينا بوكوفا) المديرة العامة لليونسكو حين قالت " ليس من قوة تحويل أقدر من التربية والتعليم على تعزيز حقوق الإنسان وكرامته، على استئصال الفقر وترسيخ الاستدامة، على إعداد مستقبل أفضل للجميع، مبني على تساوي الحقوق والعدالة الاجتماعية، واحترام التنوع الثقافي، وعلى التضامن الدولي والشراكة في المسؤولية، قِيمٌ كلها جوانب أساسية في إنسانيتنا المشتركة".

حيث تمثل حقوق الإنسان العالمية تطلعًا جماعيًا نحو مثال أعلى مشترك يتحقق بموجبه احترام كرامة جميع الكائنات البشرية وتوفير كامل الفرص الملائمة لنمو الكائنات .

ولكن الجنسانية( التمييز ضد النساء)  ظلت لزمن طويل عاملا أساسيًا للتفرقة  ولكن حدث تقدم في مجال ضمان مساواة أفضل بين الجنسين في الانتفاع بالصحة والتعليم وفي مجال تعزيز صوت المرأة ومشاركة النساء في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .

بجانب أن أغلبية الناس يعيشون في فقر مدقع والغالبية في العالم بين الأميين من الشباب والبالغين بجانب موقف المرأة  الهش في سوق العمل ولا سيما في القطاع غير الرسمي  بجانب التنافس الوحشي على الوظائف  الناجم عن انخفاض فرص العمل وحدوث الأزمات الاقتصادية والمالية .

(عالم شبكات الاتصال الإلكترونية):

لقد برزت في أيامنا عالم شبكات الاتصال الإلكترونية العالم السيبرني  مع تغلغل الاتصالات المتنقلة ، فأصبحنا نعيش في عالم يغمره نسيج من التوصيلات  عبر الإنترنت ، ولكن المشكلة تكمن في أن هذه التوصيلات قد لا تصل إلى المناطق الريفية بنفس سرعة المناطق الحضرية وهذا يعرقل النفاذ إلى مصادر المعرفة والمشاركة في شئون المجتمع والتنمية الاقتصادية .

فالإنترنت بدلت طريقة الناس في النفاذ للمعرفة وفي التفاعل وفي توجه الإدارة العامة والأنشطة الاقتصادية، وتعرف الصوت والحركة وتحقيق المكاسب في مجالات الصحة والتربية والتعليم والاتصال والترفيه ، فهذه التكنولوجيات تعيد صياغة النشاط البشري من الحياة اليومية إلى العلاقات الدولية.

وقد زادت هذه التكنولوجيات الفرص لحرية التعبير والتعبئة الاجتماعية والمدنية والسياسية  ولكنها تثير أيضًا همومًا كبيرة إذ إنها سمحت بتيسير الحصول على المعلومات الشخصية وإثارة قضايا  كبيرة مثل: حرمة الحياة الخاصة وضمان الأمن، وتتراوح الأمثلة على سوء استعمال الإنترنت والتكنولوجيات المتنقلة  من البلطجة إلى النشاط الإجرامي والأفعال الإرهابية لذلك يستوجب على المربين أن يعدوا الأجيال الجديدة من مواليد العصر الرقمي إعدادا أفضل  لكي يأخذوا بالأبعاد الأخلاقية والاجتماعية لا للتكنولوجيات الرقمية الموجودة فحسب بل أيضًا للتكنولوجيات التي لم تخترع بعد وأن يفهموا كيف يتعلموا ومتي يتعلموا وأن يربطوا في تعلمهم بين الجانب الانفعالي والمعرفي .

وعلى التربية أن تروج للانتقال الجماعي من استعمال مصادر للطاقة بديلة متجددة وخالية من الكربون لتخفف الآثار الناجمة عن تغير المناخ، وعلى التربية دمج قضية تغير المناخ في المناهج الدراسية مع تنفيذ وتصميم الإستراتيجيات والسياسات الوطنية المتعلقة بالتنمية وتغير المناخ  إدراجًا متسقًا مع أولويات واختصصات الوطنية.

وعلينا الاعتراف بأهمية الأنظمة المعرفية الأخرى المتمثلة في وسائط الاتصال الاجتماعي مثل الفيسبوك أو تويتر، لأن هذه الوسائط تولد بيئة فيها وعي وفهم أكبر للثقافات الأخرى حيث صار التنوع الثقافي بصورة متزايدة مصدرًا ملائمًا  للاختراع والتجديد والإبداع وبخاصة لدي شريحة الشباب؛ فهذا الإبداع والتجديد الثقافي مورد قيم للتنمية المستدامة.

وعلينا الاعتراف بتنوع رؤى العالم  في عالم تعددي ، فالتنوع الثقافي هو أكبر مصدر تمتلكه البشرية للإبداع والثروة ، فهو يعنى مناحي متنوعة في رؤية العالم،  فيتيح التقارب في حل المشكلات التي تؤثر علينا بل علينا تقويم جوانب الحياة الأساسية مثل: مشكلات الجماعة والفرد والديانة والحياة الروحية .

ولابد التأكيد على نواة مشتركة من القيم العالمية فالواقع الآن المعاش متنوع ولذلك لابد من نهوج جديدة .

فقد وصلت إلينا الثقافة الغربية ليست حاملة فقط معارفها الخاصة بل أيضًا سرعتها،  فيجب علينا استعمالها مغذيًا لنا لا عبئًا علينا  من أجل امتلاك هذه الثقافة وليس مجرد العيش في هوامشها ، ويجب علينا استكشاف بدائل للنموذج المعرفي السائد مع الاعتراف بالأنظمة المعرفية الأخرى ومراعاتها  حق المراعاة  بدلا من طرحها إلى مرتبة أدنى، فالمجتمعات أينما وجدت تستطيع أن تتعلم كثيرًا  بعضها من بعض مع الانفتاح والاستكشاف الأكثر فهمًا للتصورات الأخرى للعالم ، فمستقبل التربية والتنمية في عالم اليوم يتطلب تشجيع الحوار بين مختلف رؤى العالم  من أجل إقامة تراث مشترك ونظم معرفية متنوعة وتشجيع البحث في مجالات العلم والتكنولوجيا وإعلاء شأن الحكمة الموروثة عن الأجداد بغية الإسهام في تحقيق العيش الصالح المشترك وكذلك النظر في مفهوم الأمانة فهي عند

( مهاتما غاندي) الذي يرى أننا لسنا مالكين لثروات الأرض وإنما نحن مؤتمنون عليها ، وهذا على جميع المخلوقات الحية وأجيال المستقبل.

فلابد من إعادة النظر في مقاصد التربية والتعليم على ضوء رؤية مجددة لتنمية مستدامة إنسانية واجتماعية تكون منصفة وقابلة للتطبيق معًا  وأن تكون هذه الرؤية مراعية الأبعاد الاجتماعية والبيئية والاقتصادية للتنمية الإنسانية من أجل أن نكون منتجين ومستمرين في التعلم مع القدرة على حل المشكلات ولنصبح مبدعين ولنعيش معًا ، فالتربية هي المحرك للتنمية العالمية المستدامة  ومفتاح الدخول في عالم أفضل.

إذن فالنهوض بالتنمية المستدامة  وتحسين استطاعة الناس على معالجة قضايا البيئة والتنمية  يتم عن طريق عملية التعليم بما فيه التعليم النظامي مع توعية الجمهور وتدريبهم .

فالتعلم المنظم بأشكاله التكييفية والتحويلية معًا والتعليم الجيد أمور جوهرية تمكن الأفراد والجماعات من التكيف مع التغير البيئي والاجتماعي والاقتصادي على المستويين المحلي والعالمي، فيجب أن تشتمل الرؤية المجددة للتربية والتعليم على تنمية الفكر النقدي والحكم المستقل والنقاش، وهكذا ينبغي التركيز على سداد النظر إلى التربية والتعليم كصالح مشترك ، فالمنظور الإنساني هو الأساس الضروري للنهوج البديلة في التربية والتعليم .

إن المقصد الأساسي للتربية والتعليم في القرن الحادي والعشرين هو صون وتعزيز كرامة الشخص البشري وقدراته ورفاهه وفي علاقاته بالآخرين وبالطبيعة من أجل إقامة نهج متكامل بشأن مقاصد التعليم للجميع وتنظيمه ومن أجل أن يظل المتعلمون وغيرهم من المربين في تأدية دور محوري في تسهيل التعلم من أجل التنمية المستدامة للجميع.

فمهمة التربية والتعليم لا تقتصر على تكسيب المهارات بل تتعلق بتجسيد قيم احترام حياة الإنسان وكرامته ، فهذه القيم مطلوبة لتحقيق الانسجام الاجتماعي في عالم متنوع ، فالقضايا الأخلاقية أساسية في عملية التنمية ،ونكرر لابد الأخذ بنهج إنساني متكامل مبنى على أسس أخلاقية ومسلكية سليمة من أجل التعلم مدى الحياة ومن أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والروحية والمدنية والتساوي في الحقوق والعدالة الاجتماعية والشعور بالتضامن الإنساني، وأن نكافح الممارسات الاجتماعية التي تفرق الناس وتجردهم من إنسانيتهم ، فإن تحقيق الاستدامة والسلام لا يتم إلا عن طريق التنشئة على هذه القيم والمبادىء.

فنحن بحاجة إلى نهج شمولي في التربية والتعليم يتغلب على التقسيمات التقليدية بين الجوانب المعرفية والانفعالية والأخلاقية .

فعند النظر إلى دعائم التعلم الأربع في تقرير ديلور 1996م ، أوضح إنه ينبغي في إطار كل تعلم منظم أن يولى الاهتمام بالتساوي لكل من هذه الدعائم الأربع وهي:

1: التعلم للمعرفة :أي الجمع بين ثقافة عامة واسعة بدرجة كافية وإمكانية البحث العميق في عدد محدود من المواد.

2: التعلم للعمل ، لا للحصول على تأهيل مهني فحسب ،وإنما اكتساب كفاءة تؤهل بشكل أعم لمواجهة مواقف عديدة وللعمل الجماعي.

3: تعلم المرء ليكون ، لكي تكون شخصية الفرد متفتحة ويستطيع أن يحسن التصرف بطاقة متجددة دومًا من الاستقلالية والحكم على الأمور والمسؤولية .

4: التعليم للعيش مع الآخرين بتنمية فهم الآخر وإدراك أوجه التكافل.

هذه الدعائم الأربع قد أثرت على النقاشات السياسية وإعداد المعلمين وتطوير المناهج الدراسية في شتى أنحاء العالم ، فهذه الدعائم صالحة لمختلف الأسيقة والأزمنة، ولكن دعامة التعلم للعيش مع الآخرين لابد أن تتجاوز البعدين الاجتماعي والثقافي للتفاعل البشري لتشمل العلاقة بين المجتمع البشري والبيئة الطبيعية .

 ولكن المثير للقلق أن هذه الدعائم الأربع مهددة جذريًا في سياق التحديات المجتمعية الراهنة ولا سيما  دعامتا تعلم المرء ليكون والتعلم للعيش مع الآخرين اللتين تظهر فيهما وظيفة الإدماج الاجتماعي التي تؤديها التربية والتعليم، فتعزيز القيم الأخلاقية في عملية التعلم أمر حيوي لحماية هذه الدعائم التي تأتي بها رؤية إنسانية للتربية.

التعلم للتعلم وتنمية الكفاءات:

يوجد مصطلح المهارة ومصطلح الكفاءة ، فالكفاءات أوسع نطاقا من المهارات وتشير إلى قدرة المعارف  بمعناها الواسع الذي يشمل المعلومات والفهم والمهارات والقيم والمواقف في أسيقة معينة وتلبية المطاليب.

يوجد ثلاثة أنواع من المهارات الرئيسة التي يحتاج إليها جميع الشباب منها مهارات قابلة للنقل ومهارات التقنية والمهنية :

1: المهارات الأساسية ( المهارات الصلبة) : متمثلة في القراءة والكتابة والحساب اللازمة للحصول على عمل ذي أجر وامتلاك هذه المهارات يشكل شرطًا مسبقًا ولازمًا لمواصلة التعليم والتدريب ولاكتساب المهارات القابلة للنقل ثم المهارات التقنية والمهنية.

2: المهارات القابلة للنقل ( المهارات الناعمة) : متمثلة في القدرة على حل المشكلات والتوصل لحلول مناسبة والقدرة على التعبير عن الأفكار وملكة الإبداع والمقدرة القيادية وحسن الأداء والقدرة على مزوالة الأعمال الحرة ، فهذه المهارات تكتسب خارج البيئة المدرسية إلا أنه يمكن تنميتها من خلال التعليم والتدريب.

3: المهارات التقنية والمهنية: وتتطلب امتلاك دراية تقنية معينة سواء تعلق الأمر بأمور الزراعة أو استخدام ماكنة الخياطة أو العمل في البناء بالطوب أو النجارة أو استخدام الحواسيب، ويمكن اكتساب هذه المهارات التقنية عن طريق برامج التدريب المقترنة بالتعليم الثانوي وعن طريق التدريب في العمل .

إن الاهتمام بالمهارات الناعمة والقابلة للنقل وغير المعرفية أو مهارات القرن الحادي والعشرين تحتاج إلى الإبداع وروح المبادرة من أجل المنافسة الشديدة، مع القدرة على النفاذ إلى المعلومات ومعالجتها نقديًا ، فحجم المعلومات المتيسرة  بالإنترنت كبير جدًا وهذا يمثل تحديًا  أمام المنخرطين في التعلم  حيث يتعرفون المصادر الموثوقة ويقيمون موثوقية وصحة ما يقرآون ويسألون عن المعلومات ودقتها ويربطون المعارف الجديدة بما سبق لديهم أن تعلموه ويميزون مغزاها بالنسبة إلى المعلومات التي تم لهم فهمها.

لابد إعادة التفكير في إعداد المناهج الدراسية  بحيث تشجع على احترام  التنوع ورفض أشكال الهيمنة الثقافية والقولبة الفكرية والتحيز ، بحيث يراعي تعددية المجتمع مع مراعاة التوازن بين التعددية والقيم الشاملة مع ضرورة تحديد الأهداف التعليمية بحيث تصبح عملية تشاركية شاملة وأن تكون سياسة المناهج الدراسية  قائمة على مبادىء العدالة الاجتماعية والاقتصادية والمساواة والمسئوولية البيئية التي تشكل دعائم التنمية المستدامة.

لابد من ضمان التعليم الجامع  للجميع حيث نجد كثير من الأطفال والشباب والنساء يحرمون من التعليم نتيجة النزاعات والعنف وكذلك الأطفال المعاقون مهملون في كثير من الأحيان  ومحرومون من حقهم في التعليم فقلما يعرف شيء عن أنماط حضورهم إلى المدارس وكذلك نجد الفجوة بين الجنسين في التربية والتعليم فلابد من المساواة بين الجنسين في التعليم الأساسي  وفي التعليم الثانوي وبخاصة مع تنامي بطالة الشباب وعملية التأهيل وإعادة التأهيل  و التعليم العالي  ، ولابد من التربية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة حيث هناك بينات تثبت أن الأطفال المحرومين من التعليم لأسباب منها : الفقر والانتماء لأقلية لغوية أو دينية والتمييز نظرًا للجنس والعيش في منطقة نائية والإعاقة والعنف وحالة الإصابة بفيروس الإيدز  لذلك يجب أن تضمن برامج التنمية المستدامة مثل هذه الحالات .

فقد قامت السنغال بتجربة بيت صغار الأطفال : يشمل الأطفال من عمر صفر وحتى 6 سنوات ويتكون هذا البيت من غرفتين واحدة لأنشطة الأطفال التربوية والأخرى لتثقيف الآباء والأمهات  وهذا البناء التربوي يعمل بنهج شامل في رعاية الطفولة ويستوعب برامج تربية وتعليم وصحة وتغذية ، والرسوم رمزية حيث يتيح للأسر العمل في سبيل صالح مشترك .

هل انتهى حقًا عصر التعلم في المدارس( دور المدارس في ظل الثورة الرقمية والتكنولوجيات):

التعليم يولّد الثقة بالنفس؛ والثقة بالنفس تولّد الرجاء؛ والرجاء يولد السلام"... (الفيلسوف الصيني والمربي الأول كونفوشيوس)

يعتبر التعليم مرتعًا خصبًا لبناء شخصية الفرد ومرتكزًا أساسيًا لاستدماج القيم وتعزيزها وترسيخها فكرًا وممارسة، والتي تُنمَّى بدءًا بفضاء الدرس والمجتمع المدرسي، ليتسع مجالها في الفضاء المجتمعي العام، وهو ما يحتم على المدرسة عدم إغفال دورها في ترسيخ القيم إلى جانب اهتمامها بالمعارف المدرسية المعتادة، من خلال الانطلاق من وضعيات حقيقية أو مستمدة من الواقع المعيش للمتعلم والمتعلمة.

حيث أصبح التعلم يجري في البيت وفي أمكنة أخرى غير المدرسة إلا أن الفضاء المادي الذي تحدده قاعة التدريس بالمكان الرئيسى للتعلم يبقى السمة المركزية لأنظمة التعليم النظامي على اختلاف مستويات التعلم ، فنمط التعلم المدرسي في ظل العصر الرقمي والتعلم الإلكتروني والتعلم بالأجهزة المحمولة وسائر التكنولوجيات الرقمية يظل هامًا كما كان دائمًا إذ إنه الخطوة الأولى للإنسان في رحاب التعلم المؤسسي وعالم التكيف الاجتماعي خارج الأسرة ، فهو مكون جوهري من مكونات التعلم الاجتماعي ، تعلم المرء لكي يكون وتعلمه للعيش مع الآخرين ، فالتعلم ليس عملية فردية بل تجربة اجتماعية من خلال المباحثات والمناقشات مع الأنداد ومع المعلمين أيضًا ، فالمشهد التعليمي يشهد تنامي الاعتراف بأهمية التعلم خارج مؤسسات التعليم النظامي إلى مشاهد تعلم مختلط ومتنوع ومعقد يحصل فيها التعلم النظامي وغير النظامي وغير الرسمي  عن طريق مؤسسات تعليمية متنوعة  فما نحتاج إليه هو نهج أكثر مرونة في التعلم  على اعتباره شيئًا متصلًا تتفاعل فيه المؤسسات المدرسية والتعليم النظامي تفاعلًا أوثق مع تجارب تعليمية أقل انتظامًا منذ الطفولة المبكرة وإلى نهاية الحياة .

فالمشهد التعليمي الراهن يتطلب التوفيق بين جميع فسح التعلم المستجدة التي تتجاوز قاعات التدريس والمدارس والجامعات وسائر المؤسسات التعليمية عن طريق وسائط التواصل الاجتماعي  التي تعزز الأنشطة والتعاون والشراكة في التأليف والنفاذ إلى الموارد التعليمية والاتصال بالأخرين فلابد من التآزر بين مؤسسات التعليم والتدريب النظامية وتجارب تعليمية أخرى مع إتاحة فرص جديدة للتجريب والابتكار والإبداع.

فهناك تجربة الجدار المثقوب ، حيث قام فريق الدكتور (ميترا) بحفر طاقة في الجدار الفاصل بين مبنى الشركة (NIIT) وحى كالكاجي الملاصق في (نيودلهي) حيث قام بوضع حاسوب للاستعمال المجاني وقد اكتشف سكان الحي الفقير وجود الحاسوب و لا سيما الأطفال فتعلم الأطفال الحاسوب بمفردهم ودون سابق تجربة  وبالتالي : يمكن لأي مجموعة من الأطفال أن يكتسبوا المهارات الأساسية للحوسبة بالتعلم العرضي مع قليل من التوجيه البشري  وهذا التعلم عرف بالتعليم الأقل تدخلًا.

التعلم بالأجهزة المحمولة  يكون في أي وقت وفي أي مكان ، هذه التكنولوجيات المنقولة في تطور مستمر ومنها الهواتف المحمولة والهواتف الذكية والحواسيب اللوحية والقارئات الإلكترونية والمشغلات السمعية المحمولة ، وهذه التكنولوجيات الجديدة قد أحدثت تغييرًا في العمليات التعليمية بل غيرت طبيعة المعرفة في المجتمعات ، وبالتالي صار التعلم أكثره غير رسمي وشخصي وفي كل مكان بجانب أنها أقل تكلفة بالنسبة للمعلمين قياسًا إلى الحواسيب المكتبية واستمدادها موارد غنية من الإنترنت .

فالتعلم بالأجهزة المحمولة  اكتسب مزيدًا من الرواج في قطاعات تعليمية متنوعة وعزز التعليم الأساسي والعالي، وحقق التوصيل الإلكتروني للتعليم النظامي والتعليم غير الرسمي ، فهذه الأجهزة المحمولة قد زودت التعليم الأساسي تيسيرًا وفعالية، بجانب أن تطور التكنولوجيات المتنقلة أوجد كثيرًا من الإمكانات لمحو الأمية وتعليم اللغات ، حيث إنها تمتلك الوعد بتحقيق التعليم للأطفال والشباب الذين في مناطق معزولة ونائية أو مفتقرة إلى الخدمات ، حيث تم محو أمية الفتيات بالطريقة التقليدية وجهًا لوجه في المناطق النائية  بباكستان بواسطة الأجهزة المحمولة .

وكذلك فعمل المقررات الدراسية على الخط المفتوحة للجمهور في التعليم العالي يعتمد على نقل المعلومات وإعطاء الوظائف للطلبة عن طريق الحاسوب وإجراء التقييم بواسطة الأنداد ولكن ينعدم فيه التحاور الشخصي والمناقشات وجهًا لوجه وهذا يجعل من العسير تلبية احتياجات الطلبة المنفردين بجانب أن هذه المقررات الدراسية التي تقدم على الخط المفتوحة تعد شكلًا متدنيًا من التحصيل التعليمي وإشارة غير مطابقة إلى جودة التعلم .

وفي التعليم العالي  عندنا مؤسسة التعليم العالي هي: المكان الذي يتردد عليه الناس فترة من العمر ، ونرى في قاعة التدريس الأستاذ المحاضر والطلاب وأن الحرم الجامعي هو مركز التعلم ، فهذه الصورة  التقليدية قد تغيرت سريعًا فمكان العمل يتطلب مهارات مثل: التواصل والتفكير النقدي ويكون اكتسابها عن طريق تجارب التعلم غير الرسمي أسهل منه في إطار المؤسسات ، فالطرائق الجديدة في التعليم عن بعد والتعلم على الخط تغير تجربة الطلبة حتى داخل الحرم الجامعي.

لذلك تواجه مؤسسات التعليم العالي بالمجتمع تحديات متمثلة في التوفيق بين تلبية الطلب الجماهيري الكثيف على المؤهلات المهنية من جهة والحفاظ على دوره الرئيسى أن يعد من أجل البحوث وعبر البحوث من جهة أخرى ، فلابد من إعادة تحديد العقد الاجتماعي الذي يلزم مؤسسات التعليم العالي بالمجتمع في سياق التنافس العالمي المتزايد بحيث يتم تنويع البنى والمؤسسات وتدويل تزيود التعليم العالي وتطوير المقررات الدراسية على الخط المفتوحة للجمهور وتقييم جودة التعلم ونمو الشراكات بين العام والخاص وتحقيق مبدأ الاستقلال الذاتي والحريات الأكاديمية مع مراعاة بعد ترتيب الجامعات ، فبعض الجامعات إذا خرجت من الترتيب ربما يجعلها أقل استجابة وأقل ملاءمة  وقد يسبب الترتيب انحراف انتباه الجامعات عن التعليم والمسئولية الاجتماعية تجاه نمط البحث العلمي  وقد يكون الترتيب يشجع المزايا التي تتمتع بها المؤسسات من الشفافية في المعلومات والمساءلة .

دور المعلمين في مجتمع المعرفة ( التكنولوجيات الرقمية ليست بديلا عن المعلمين) :

في ظل التضخم الهائل في حجم المعلومات والمعارف ينبغي للمعلم أن يكون الآن مرشدًا وميسرًا وموجهًا يمكن الذين يتعلمون منذ الطفولة المبكرة  وطيلة مسارات تعلمهم من التطور والتقدم عبر متاهة المعارف تلك المتاهة المستمرة في التوسع ، ويجب الاعتراف بأن مهنة تعليم فعالة لا تزال تعد أولوية في السياسات التعليمية عند جميع البلدان ، فالتكنولوجيات الرقمية الجديدة لا يمكنها أن تحل محل المعلمين ولا يمكنها أن تحكم على مهنة التعليم بالزوال ، فالمعلمون والمربيون يسهمون في تحقيق النمو الكامل للشخص  وفي إحداث التنمية  حيث يجب  إعدادهم  مهنيًا وتزويدهم  بكفاءات عالية في مضمون المعرفة مع تمتعهم بالاستقلال الذاتي وبالخبرة الأكاديمية الرصينة ، مع كثرة تدريبهم لكي يسهلوا التعلم ويفهموا التنوع ويرحبوا بالشمول في التعليم وينموا كفاءات العيش المشترك وحماية البيئة وتحسينها مع تعزيزهم لبيئات التدريس بحيث يسودها الاحترام والأمان مع التنوع في استخدام الإستراتيجيات التعليمية وأن يقيموا علاقات منتجة مع الآباء والجماعات وأن يعملوا كفريق مع المعلمين الآخرين ، وأن يستطعيوا استعمال التكنولوجيا وأدوات التعلم وأن يستمروا في التعلم والتطور المهني ويتوجب علينا كمجتمع أن نقدم للمعلمين شروط عمل وظروف معيشة أكثر جاذبية وتحفيزًا واستقرارًا بما في ذلك الأجور المناسبة وأفق مفتوح للمسار المهني فهذه الأمور أساسية إذا أردنا تجنب خطر فقدانهم الاهتمام وبالتالي إضعاف ما نعده أهم مهنة تأسيسية في العالم .

فلابد التركيز على الدور الأساسي الذي يقوم به المربون والمعلمون في ضمان التعلم مدي الحياة ، وخارج مؤسسات التعليم النظامي ، مع زيادة برامج تدريب المربين العاملين في التعليم غير النظامي وغير الرسمي ، حيث يوفرون فرص التعلم عن طريق المراكز المجتمعية والمنظمات الدينية ومراكز التدريب التقني والمهني وبرامج محو الأمية وجمعيات الشباب ، فقيمة فرص التعلم عظيمة وهامة بالنسبة للتنمية ولصالح الأفراد والجماعات على السواء .

صنع سياسة التربية والتعليم في عالم معقد ( الفجوة المتزايدة بين التعليم والعمالة):

تطرح العولمة تحديات متزايدة على استقلال الدول ، مما يجعل صنع السياسة أكثر تعقيدًا ، حيث يجد  صناع السياسة الوطنيون صعوبة متزايدة أن يضبطوا انعكاسات العولمة لصالح التنمية الوطنية .

حيث يعمل تكثيف العولمة الاقتصادية على إحداث أنماط من النمو المنخفض معدل العمالة مع زيادة بطالة الشباب والعمالة الهشة .

وزيادة بطالة الشباب تدل على عدم التناسب بين مطالب العمالة والمهارات المكتسبة في التعليم والتدريب ، فاتجاهات العمالة تشكل في الصلة القائمة منذ زمن طويل بين التعليم النظامي والعمالة  صلة طالما استند إليها الخطاب الإنمائي الدولي والممارسة لترشيد الاستثمار في رأس المال البشري .

فالندرة في الحصول على الوظائف الملائمة تسبب تفاقم الشعور بالإحباط عند الأسر وعند الخريجين الشباب في مختلف أنحاء العالم ، فخيبة الأمل أخذة في التنامي داخل بعض شرائح  المجتمع وبعض البلدان ، من التعليم كناقل للحراك الاجتماعي الصاعد ، فلابد للشباب من الانخراط في العمل الاجتماعي والعمل التطوعي والسفر والأنشطة الترفيهية والأنشطة الفنية والأنشطة المدنية والاجتماعية والسياسية حتى وهم خارج العمالة .

فلابد من إعادة النظر في العلاقة بين التعليم وعالم العمل السريع التغير ، وإعادة تدريب العاملين وتقوية الشراكة مع القطاع الصناعي والتركيز على كفاءات التكيف بشأن المسار المهني حيث إن التطور العلمي والتكنولوجي يتطلب مهن جديدة يصحبها احتياجات المهارات أصعب فأصعب مع تنوع ومرونة  الأشخاص ليكونوا قادرين على تحصيل وتطبيق كفاءات تكيف مهني بفعالية كبيرة مع التركيز على المهارات القابلة للنقل ومهارات القرن الحادي والعشرين وغير المعرفية مثل: مهارات الاتصالات والقرائية الرقمية وحل المشكلات والعمل الجماعي ومبادرة تنظيم المشاريع  من أجل تحسين فرص العمل للشباب لذلك يجب تعزيز مسئولية الدولة عن إعداد سياسات عمالة سليمة .

فالتعليم لا يمكنه وحده حل مشكلة البطالة فلابد من إعادة النظر في نمط التنمية الاقتصادية السائد، والاعتراف بمكانة التعلم وإعادة التعلم الذي يستمر خارج مؤسسات التعليم والتدريبات النظامية مع اكتساب المهارات الملائمة عن طريق التعلم الذاتي والتعلم من الأنداد والتعلم في العمل( بما فيه التدريب الداخلي والتلمذة المهنية ) والتدريب في العمل أو عن طريق تجارب أخرى فى التعلم واكتساب المهارات خارج الأطر النظامية للتعليم والتدريب .

وقد تعاظم الاهتمام بتقييمات التعلم الواسعة النطاق بعد التركيز التقليدي على مضامين برامج التعليم والتدريب تحول الآن التركيز على الاعتراف بالمعارف المكتسبة وتقيييمها وإقرار صلاحيتها.

ومع الاعتراف بالمعارف والكفاءات المكتسبة على دروب تعلم متعددة وإقرار صلاحيتها كجزء من إطار التعلم مدى الحياة إذ إن التطورات المجتمعية تعمل على إعطاء زخم جديد لملاءمة التعليم المستمر مدي الحياة فيضع الدارسين على اختلاف أعمارهم في موقع الصدارة حيث يتسم التعلم مدي الحياة  بأهمية حاسمة  لتقييم وتدبر الأنماط الجديدة للعمالة وتحقيق السويات والأنواع المطلوبة من الكفاءات عند الأفراد والمجتمعات.

إعادة النظر في تعليم المواطنة في عالم متنوع ومترابط ( أشكال ناشئة للتعبير عن المواطنة):

دائمًا يكون للتعليم العام وظيفة هامة اجتماعية ومواطنية وسياسية لكونه مرتبطًا بالهوية الوطنية وتكوين إحساس بالمصير المشترك ، فمفهوم المواطنة يحيل إلى عضوية الفرد في جماعة سياسية محددة داخل دولة أمة ، ولكن المفهوم آخذ في التغير والممارسة المرتبطة به تحت تأثير العولمة.

وبالتالي يواجه دور الدولة في تعريف وتكوين المواطنة تحديًا متزايدًا نتيجة نشوء أشكال من المواطنة متجاوزة للأوطان  فهذا التحول وخصوصًا بين الشباب هو تكنولوجيات الاتصال ووسائط التواصل الاجتماعي التي تفتح أمامهم طرقًا رحبة للتعبئة والتعاون والابتكار، فالدور الذي يؤديه التعليم النظامي في التهيئة الاجتماعية مدنيًا وسياسيًا يتحداه تأثير الجدائد من الفسح والعلاقات والديناميات التي تقدمها الوسائط الرقمية ، وبناءً على ذلك يتطلب العالم الرقمي الجديد المتسم بالمدونات والفيسبوك والتوتير وغيرها من وسائط الاتصال الاجتماعي إعادة التفكير في المعاني الأساسية للعام والخاص والعناصر التي تميزهما .

لابد من الاعتراف بالتنوع الثقافي ورفض التعصب الثقافي سواء كان تاريخيًا متأصلًا في الدول والأمم أو ناجمًا عن الهجرة ، فالهجرة على وجه الخصوص تسهم في زيادة التنوع الثقافي داخل أنظمة التعليم ومواقع العمل والمجتمع عمومًا،  وفي ذات الوقت نشاهد التعصب الثقافي والتعبئة السياسية المبنية على الهوية ، لذلك  للتربية والتعليم دور حاسم في النهوض بالمعارف التي نحتاج إلى تنميتها وهي :

1: الشعور بالمصير المشترك مع البيئات المحلية والوطنية والاجتماعية والثقافية والسياسية بل مع البشرية جمعاء.

2: إدارك التحديات التي يطرحها نمو الجماعات من خلال فهم التكافل بين أنماط التغير الاجتماعي والاقتصادي والبيئي محليًا وعالميًا.

3: الالتزام بالانخراط في العمل المدني والاجتماعي على أساس الشعور بمسئوولية الفرد تجاه الجماعات محليًا ووطنيًا وعالميًا .

4: إعلاء شأن التنوع الثقافي في التربية والتعليم ، فتعزيز التنوع في التربية والتعليم من شأنه تحسين الجودة حيث إنه يدخل المربين والدارسين في منظورات التنوع وشتى أنواع العالم الحياتي .

5: تشجيع الإعداد الشمولي المنحي للسياسة التعليمية حيث إن ازدياد التنوع يمثل تحديات أمام التوصل إلى توافق الآراء بشأن خيارات السياسة التعليمية التي تؤثر التأثير الأقوى مباشرة على الهوية وتكوينها،  وهذا موجود بصراحة في لغة التدريس وطبيعة تعليم المواطنة بما فيه تدريس التاريخ والجغرافيا والاجتماعيات والديانة في المجتمعات المتعددة الثقافة؛ ولذلك فإن عمليات التشاور أكثر شمولًا بشأن القضايا السياسية الرئيسية شيء جوهري لإيجاد تعليم بناء للمواطنة في عالم متنوع.

حكومة ( حوكمة) التربية والتعليم عالميًا ، وصنع السياسة الوطنية ( أشكال ناشئة من الحوكمة العالمية ):

نجد الآن عدد كبير من الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية القاصدة للربح وغير القاصدة له المنخرطة والمتنافسة حتى في ترتيبات حوكمة على الصعيد العالمي ونتيجة لهذا العدد الكبير من الجهات الفاعلية يحدث التحول التدريجي لموقع السلطة من الدولة إلى المستوى العالمي ، حيث صارت ترتيبات الحوكمة على المستوى العالمي أكثر تعقيدًا كما يتضح من ترتيبات أصحاب المصلحة المتعددين مثل: الشراكة العالمية من أجل التعليم GPE)) أما التأثير المحتمل لترتيبات الحوكمة العالمية على التربية والتعليم وتنمية المهارات فهو موضع شك وخلاف ويعود السبب إلى الطبيعة السياسية أصلا للسياسة الوطنية في التربية والتعليم ولتعدد ما تتضمنه من أبعاد محبوكة أخلاقية وثقافية واقتصادية واجتماعية ومدنية.

لذلك فتحتاج الحوكمة والمساءلة إلى البيانات احتياجًا حيويًا  فمن الأمور الحاسمة إن تكون سلطات التربية والتعليم في موقع يمكنها من معرفة كيف يضمن قسم كبير من المصروفات العامة، فالحق لجميع الأطفال والشبان والبالغين والفتيات في الانتفاع بفرص التعليم الأساسية الكفيلة بإيصالهم إلى تعلم فعال وملائم .

كذلك تستطيع السلطات الوطنية ضمان فرص متكافئة للتعليم بعد الأساسي والتدريب ، حيث يتزايد استعمال هذه البيانات لأغرض الإعلام ولتبرير شرعية صنع السياسة والاستثمار في مجال التربية والتعليم .

 لذلك يجب  أن يراعى في تحديد الأهداف الوطنية إمكان تقديم بيانات أكثر تفصيلًا بكثير مما هي حاليًا فتجميع البيانات واستعمالها يجب أن يتجاوز العوامل التقليدية التمييزية مثل : التمييز على الأساس الجنس والإقامة في المدينة أو الريف ويمكن تحقيق هذا الغرض من خلال استعمال أفضل لمجموعات بيانات بديلة مثل : معايير المعيشة المنزلية والصحة والاستقصاءات المتعلقة باليد العاملة .

 

تمويل التربية والتعليم :

لابد الوعي بحجم الضغط الذي يقع على التمويل العام لأنظمة التعليم والتدريب النظاميين وهذا الضغط يتولد عنه:

توخى المزيد من الفعالية في استعمال هذه الموارد المحدودة وضمان مسئولية أكثر عن استثمار الموارد العمومية في التربية والتعليم وإيجاد سبل لتكميل هذه الموارد عن طريق تكبير الاستطاعة الضريبية والدعوة إلى زيادة المساعدة الإنمائية الرسمية، وإقامة شراكات جديدة مع جهات فاعلة غير مؤسسات الدولة .

فلابد من دعم التعليم على نطاق واسع  ورغم قوة إعطاء الأولوية للتعليم الأساسي والطلب عليه توجد بينات على أن الدعم المتعدد الأطراف الذي يقدم للتعليم الأساسي آخذ في التباطؤ قياسًا  إلى قطاعات أخرى ، حيث تبقى حصة التعليم العام من المساعدات الدولية كبيرة لصالح كثير من البلدان المنخفضة الدخل ، فإنشاء آلية التمويل من شأنها تكميل الإنفاق العمومي الوطني على التربية والتعليم باعتبار الأمر صالحًا عامًا عالميًا .

ولكن تأثير المانحين لا يقتصر على تقديم مساعدات إنمائية تكمل الموارد الوطنية  بل هم يمارسون تأثيرًا رهيبًا على السياسة التعليمية، ولهذا النفوذ آثار إيجابية وسلبية معًا ، حيث يشترط الماحنون شروطًا أو قواعد لمنح المساعدات فقد نجد الحكومات أنفسها مرغمة على تغيير سياستها وفقًا لذلك، وبالتالي يتم تحقيق الأهداف المنشودة لهؤلاء المانحين لكنه قد يكون مخالفًا لسياسات دول بعينها ، لذلك على المانحين أن يساندوا الحكومات والمجتمع المدني المحلي والمعنيين في إعداد وتنفيذ سياسات تراعي التطلعات والألويات والأسيقة والشروط الوطنية حيث غيرت كثيرًا ديناميات المساعدات الدولية منذ تاريخ نشر تقرير ديلور 1996م واعتماد الأهداف الإنمائية للألفية 2000 حتى اليوم ، وأن تغير جميع البلدان مسار تنميتها كلا بنهجه الخاص وحسب ظروفه الخاصة  وكل هذا التحول يدفعنا إلى التفكير من منظور مسؤوليات مشتركة ومستقبل مشترك.

( التربية والتعليم كصالح عام مشترك ):

"حين نعتبر التربية والتعليم غاية في ذاتها نعترف بأن المعرفة واحدة من القيم العليا".

نحن في حاجة إلى تنظيم التعلم بجانب إعادة النظر في مقاصد التربية والتعليم وإعادة التفكير في المباديء لحوكمة التربية والتعليم  ولا سيما المبدأ المعياري أن التربية والتعليم صالح عام ، وكيف ينبغى فهم هذا الصالح العام في سياق متغير مجتمعًا ودولة وسوقًا ؟!

حيث يكتسب الأفراد والجماعات تمكنًا بفضل تعمق الديمقراطية في كثير من الأقطار بفضل انتشار النفاذ للمعارف عن طريق التعليم النظامي والتكنولوجيات الرقمية ، وهذا الانتشار بدوره يحدث طلبًا متناميًا على إبداء الرأي في الشؤون العامة وعلى التغيير في أساليب الحوكمة المحلية والعالمية  ويتزايد الطلب الشعبي على مساءلة وانفتاح وإنصاف ومساواة أقوى في الشؤون العامة .

ويصدق القول على سياسة التربية والتعليم حيث كلا القطاعين العام والخاص له مصلحة في بناء مجتمعات معرفية شاملة ، ولهذا يتم طلب أطر إعداد المناهج الدراسية والكتب المدرسية والسياسات المتعلقة بالعمل الإيجابي .

تتنامي في العالم قوة الميل إلى خصخصة التربية والتعليم على اختلاف مستويات تأديته ، ففي العقد الماضي ازداد القيد في مؤسسات التعليم الخاص ولا سيما المرحلة الابتدائية منه .

ويفهم بخصخصة التربية والتعليم أنها:

عملية نقل الأنشطة والأصول والإدارة والوظائف والمسئوليات المتعلقة بالتربية والتعليم من مؤسسات الدولة أو القطاع العام إلى القطاع الخاص من أفراد ووكالات.
أشكال الخصخصة في التعليم المدرسي :

المدارس الدينية ـ المدارس الخاصة المنخفضة الأقساط ـ مدارس المساعدات الأجنبية أو المدارس الدولية التي تسيرها منظمات غير حكومية ، والمدارس المستقلة ـ والمدارس التعاقدية ـ ومدارس القسائم والمدارس المنزلية والدروس الخاصة والمدارس المتجهة نحو السوق والمدارس القاصدة للربح .

تأثير الخصخصة على الحق في التربية والتعليم :

يمكن أن يكون لخصخصة التربية والتعليم أثر إيجابي بالنسبة إلى بعض فئات المجتمع على اعتبار أنها تزيد تيسر فرص التعلم وتوسع مدى الاختيار أمام الآباء  وتعزز تنوع المناهج الدراسية ولكن لها آثار سلبية على اعتبار عدم كفاية وملاءمة الرصيد والتنظيم من جانب السلطات العامة ( وجود مدارس بدون ترخيص ، ومعلمين غير مدربين ، وغياب ضمان الجودة) مما يتسبب في مخاطر على التماسك الاجتماعي والتضامن .

حيث إن الفئات المهمشة لا تستطيع التمتع بالآثار الإيجابية للخصخصة، ويمكن أن تؤدي الرسوم غير المضبوطة التي تطلبها المؤسسات التعليمية الخاصة إلى تقويض أسس الانتفاع العام بالتعليم وقد يؤثر تأثيرًا سلبيًا أعم في إمكانية التمتع بالحق في الحصول على تعليم جيد وإمكانية توفير فرص تعليمية متكافئة .

فالدروس الخاصة الإضافية أو (التعليم في الظل) يمثل بعدًا مميزًا من أبعاد خصخصة التربية والتعليم فهو كثيرًا ما يظهر على التدريس الخاص بمثابة عرض مرضي على تعليم نظامي سيئ ولكن له آثاره الإيجابية من ناحية إمكانية تطويعه لاحتياجات الدارسين البطيئين وفي الوقت نفسه يمكن المعلمين من تكميل مرتباتهم التي يتقاضونها من التعليم النظامي ، وتمثل أجور التدريس جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة  وهذا يثقل دفعه على الفقراء ويخلق فوارق في فرص التعلم حتى أن بعض المعلمين يبذلون جهدًا أكبر في إعطاء دروس خاصة مما في التعليم الرسمي فيهملون واجباتهم النظامية مما يؤثر بالسلب على جودة التعليم والتعلم في المدارس.

فالتعليم الخاص يحطم الفرص التعليمية للمصريين وبخاصة للفقراء في مصر ، فالاستثمار في هذا النوع من التعليم يستحق التضحيات المالية في نظر الأسر التي تستطيع دفع تكاليفه لكن ذلك ليس في مقدور كل واحد : فاحتمال تلقي أطفال الأسر الغنية دروسًا خاصة هو ضعف الاحتمال لبناء الأسر الفقيرة ، ويعانى أطفال الأسر الفقيرة عواقب ضعف الجودة في التعليم النظامي  وبالتالي نجد المعلمين يبذلون طاقاتهم ومواردهم على التدريس والتعليم الخاص بدلًا من بذلها في سبيل التعليم داخل قاعات المدارس .

والسبب الهام لانتشار التدريس الخاص هو: الوضع الاجتماعي للمعلمين في مصر حيث إنه انحط خلال العقود الأخيرة منذ بدأت الحكومة تشغل معلمين أقلا تأهيلًا بغية تلبية الطلب على التعليم العمومي وكثيرًا ما يصير خريجو المدارس معلمين لا عن اختيار بل كملاذ أخير، وانخفاض تقييم المعلمين في المجتمع المصري جعل التعليم إحدى الوظائف الحكومية الأدنى أجرًا ولذلك يعتمد المعلمون على التدريس الخاص ليكملوا أجورهم .

فاستنساخ الفوارق في فرص التعلم وإمكان تفاقمها نتيجة  للخصخصة على اختلاف أشكالها يطرح أسئلة بشأن مفهوم التربية والتعليم كصالح عام وبشأن دور الدولة في ضمان الحق في التعليم وأن التعليم حق أساسي للإنسان.

فالحق في التعليم مثل جميع حقوق الإنسان يفرض على الدول الأطراف الثلاثة انواع أو مستويات من الواجبات وهي :

1: واجبات الاحترام والحماية والإحقاق .

2: واجب التيسير .

3: واجب التأدية .

ويتطلب واجب الاحترام من الدول الأطراف تجنب التدابير التي تعوق أو تمنع التمتع بالحق في التعليم ، ويتطلب واجب الحماية من الدول الأطراف اتخاذ تدابير تمنع أطرافًا ثالثة من إعاقة التمتع بالحق في التعليم، وواجب التيسير ( الإحقاق) يتطلب من الدول اتخاذ تدابير تمكن الأفراد والجماعات من التمتع بالحق في التعليم وتساعدهم فيه ، وعلى الدول الأطراف واجب إحقاق ( تأدية) الحق في التعليم.

 

مفهوم التعليم الأساسي  الذي اعتمد عام 1990 في المنتدى العالمي للتربية :

 

اشتمل أدوات التعلم الأساسي مثل : تعليم القراءة والكتابة والحساب والمعرفة الأساسية المستجيبة للسياق والمهارات والقيم ، فمن منظور التعليم النظامي غالبًا ما يساوى التعليم الأساسي بالتعليم المدرسي الإلزامي.

فحق التعليم الأساسي لا نزاع فيه وعلى الدولة حماية مبدأ  الحق في التعليم وضمان تكافؤ الفرص.

فالتوسع في انتشار الانتفاع بالتعليم المدرسي الأساسي أسفر عن تزايد الطلب على التعليم الثانوي والعالي والاهتمام بتنمية المهارات المهنية وبالتعليم مدى الحياة .

كثيرًا ما يشار إلى التعليم في الخطاب الدولي بأنه صالح عام مع أهمية صون المصلحة الاجتماعية في التربية والتعليم ولكن توجد دعوات إلى الحد من الإنفاق العام وإشراك جهات فاعلة غير الدولة إشراكًا أكبر في التعليم وكذلك تنوع مصادر التمويل تعمل على تغشية الحدود بين التعليم العام والتعليم الخاص ، ولم يعد واضحًا ما المقصود بلفظة عام في السياق العالمي الجديد للتعلم المتسم بتنوع أكبر لأصحاب المصلحة مع تكاثر المؤسسات الهادفة للربح والمؤسسات غير الهادفة للربح وفي إدخال المشاريع  الاقتصادية على تشغيل مؤسسات التعليم العالي ، فالمصالح التجارية والقطاع الخاص يعملان على تغير طبيعة التربية والتعليم من صالح عام إلى صالح خاص استهلاكي ، ألا أن التغير السريع في علاقات المجتمع والدولة والسوق يضعنا في مأزق  إذ كيف يمكن حماية المبدأ الأساسي أن التربية والتعليم صالح عام في السياق العالمي الجديد الذي يجري فيه التعلم؟

 

(التربية والمعرفة كصالح مشترك عالمي / محدودية نظرية الصالح العام):

 

تستمد نظرية الصالح العام أسسها من اقتصاد السوق ، فقد عرفت المنافع العامة خلال الخمسينيات القرن العشرين بأنها: تلك المنافع التي يتمتع بها الجميع بصورة مشتركة ، بمعنى أن استهلاك كل فرد من هذا الصالح العام لا يؤدي إلى خسارة  أي فرد آخر استهلاكه من هذا الصالح ( أي الإقلال من شأن الآخر ) وبالمقابل عرفت المنافع المشتركة بأنها تلك المنافع التي تتسم أيا كان منشأها عامًا أو خاصًا بأن هدفها مُلزم وضروري لتحقيق الحقوق الأساسية لجميع الناس .

فالصالح المشترك: هو مكون من أشياء ينتفع بها البشر أصلا بصورة مشتركة ويوصلونها بعضهم إلى بعض مثل: القيم والفضائل المدنية وحس العدالة .

أو هو: تصاحب أشخاص تضامني يكون أكثر من صالح الأفراد في المجموع ، وبناء على التعريفات السابقة فإن الصالح المشترك  ملازم للعلاقات القائمة بين أعضاء مجتمع مقترنين في مسعى جماعي ومن ثم فالمنافع التي من هذا النوع تكون بذاتها مشتركة في إنتاجها كما في عائداتها،

 وبالتالي يمكننا مفهوم الصالح المشترك من تجاوز حدود الصالح العام في ثلاثة مناحٍ هي:

1: إن مفهوم الصالح المشترك يتجاوز مفهوم الصالح العام الأداتي ، الذي يكون فيه الرفاه البشري محكومًا بنظرية اجتماعية اقتصادية فردية التوجه فمن منظور الصالح المشترك ليست الحياة الجيدة للأفراد هي المهمة بل طيب الحياة التي يعيشها البشر معًا ، ويرى البعض أن تحول الخطاب الدولي في الآونة الأخيرة عن التعليم إلى التعلم يدل على إهمال ممكن للأبعاد الجماعية ولمقصد التربية والتعليم كمجهود اجتماعي، فالقول بالتربية والتعليم صالحًا مشتركًا تأكيد متجدد على البعد الجماعي للتربية والتعليم كجهد اجتماعي أعباؤه متقاسمة ( تقاسم المسئوولية والتزام التضامن).

2: لا يمكن تعريف المقصود بالصالح المشترك إلا بمراعاة تنوع الأسيقة والتصورات للرفاه والحياة المشتركة ، ونظرًا لتنوع التأويلات الثقافية لما يتكون منه الصالح المشترك يلزم السياسة العامة أن تعترف بتنوع السياق ورؤية العالم  ونظام المعرفة مع الاحترام للحقوق الأساسية.

3: إن المفهوم يعلي شأن العملية التشاركية التي هي بحد ذاتها صالح مشترك، فالعمل المتاقسم جوهري للصالح نفسه مثلما هو أداتي له حيث تجنى الفوائد في جريات العمل المتقاسم ، ولذلك يستلزم تخطي السياسات الراهنة التي تعمل الخصخصة وعدم الرجوع إلى الأنماط التقليدية في الإدارة العامة.

تعد التربية والتعليم هما العملية المتروية في اكتساب المعارف وفي تنمية الكفاءات لتطبيق هذه المعارف في الظروف الملائمة فتنمية المعارف واستعمالها هما غاية التربية والتعليم ، فيجب علينا النفاذ إلى المعرفة وكيف نجعلها متيسرة بصورة مشتركة وليس فقط اكتساب المعرفة وإقرار صلاحيتها.

فيجب فهم المعارف بمعناها الواسع الذي يشمل: المعلومات والفهم والمهارات والقيم والمواقف والكفاءات التي تشير إلى استطاعة استعمال المعارف في مواقف معينة.

ففي عالم اليوم المتغير لابد من ابتداع المعارف وضبطها واكتسابها وإقرار صلاحيتها واستعمالها لأن المعارف هي تراث للبشرية المشترك ، فالمعارف مثل: التربية والتعليم في اعتبارها صالح مشترك عالمي ولكن إذا اعتبرت المعارف فقط صالحا عامًا عالميًا فكثيرًا ما توضع القيود على النفاذ إليها.

والقلق والخطر الذي يجري الآن هو خصخصة إنتاج المعارف واستنساخها ونشرها عن طريق القانون وعن طريق نظام حقوق الملكية الفكرية بوجه التحديد الذي يسود إنتاج المعارف  وهذه الخصخصة لإنتاج المعارف ظاهرة واضحة في عمل الجامعات وأفرقة التفكير وشركات النشر ، لذلك يجب النظر إلى التنمية المستدامة في عالم متزايد التكافل ، وأن نعتبر التربية والتعليم والمعارف منافع مشتركة عالمية وهذا يعنى ابتداع المعارف وضبطها واكتسابها وإقرار صحتها واستعمالها هي أمور مشتركة لجميع الناس باعتبار كل منها جهدًا اجتماعيًا جماعيًا ، فحكومة التربية والتعليم لم يعد ممكنًا فصلها عن حكومة المعارف.

الأدوار والمسؤوليات في تنظيم المنافع المشتركة :

إن مبدأ الحق في المعرفة والتربية والتعليم كمنافع مشتركة عالمية مستلهم من قيمتي التضامن والعدالة الاجتماعية المتأصلتين في إنسانيتنا المشتركة  من أجل السعي الجماعي لتحقيق تنمية إنسانية واجتماعية مستدامة وشاملة .

1)   تعزيز دور المجتمع المدني وشركاء آخرين :

ينبغى على المجتمع المدني من مناهضة النزعات الحالية نحو التعليم سلعة بإقامة شراكات أقوى مع رابطات المجتمع المحلي ومع المنظمات  غير الهادفة للربح ، فالمسئولية  تقع على المجتمع بأسره وليس على الحكومة وحدها ، فالحكومة الجيدة  في قطاع التربية والتعليم تستلزم شراكات متعددة بين الحكومة والمجتمع المدني ، ويبنغى أن تكون السياسة الوطنية لهذا القطاع حصيلة مشاورات اجتماعية واسعة وتوافق آراء وطني .

حيث تم ابتكار آليات لتمويل التنمية عن طريق الشركات والمؤسسات ، وعلى الشركات الخاصة أن تقوم بدور رئيسي بأن تمول التربية والتعليم دون التقيد باحتياجات العمالة المباشرة كجزء من مسؤوليتها الاجتماعية كشخصيات اعتبارية ففي الهند مثلا تشجع الدولة الشركات الخاصة على الاستثمار على هذا النحو بنسبة 2% من عائداتها السنوية .

2)   تعزيز دور الدولة في تنظيم الصالح المشترك:

في سياق العولمة الاقتصادية وتحرير الأسواق يتوجب على الدولة الحفاظ على وظيفتها كضامن للنفاذ إلى المنافع المشتركة ومنظم لها ولا سيما التربية والتعليم إذ لا يجوز التخلي كليًا للسوق عن التربية والتعليم  على اعتبار هذا المجال أول حلقة في سلسلة تكافؤ الفرص ومن هذا المنظور على الدولة واجبان:

1): إصلاح النظام العام للتربية والتعليم وجعله مهنيًا بما فيه مكافحة الفساد داخل القطاع التعليمي بإجراءات واضحة تخضع العاملين فيه لمساءلة المجتمع العريض.

2) رصد وتنظيم انخراط القطاع الخاص في التربية والتعليم بحيث تتضمن الدولة تطبيق المعايير التي يعتمدها مهنيو التربية والتعليم العاملون في كلا القطاعين العام والخاص والمعتمدة أيضًا في الأطر المعيارية الدولية .

3)  تعزيز دور المنظمات الدولية الحكومية في تنظيم الصالح المشترك العالمي :

تقع على المجتمع الدولي مسؤولية حكومة المنافع المشتركة العالمية ، حيث يجب عليها تعزيز تعاونها في مجالي السياسة والممارسة ، فوكالات الأمم المتحددة عليها أن تقوم بدور في وضع المعايير الدولية التي تستهدي بها حكومة المنافع المشتركة العالمية مثل : المعارف والتربية والتعليم والتراث الثقافي المادي وغير المادي ، حيث قامت منظمة اليونسكو بدور قيادي تنسيقي وإيحائي وهما : حركة التعليم للجميع وإعداد الأهداف المعيارية للتربية والتعليم .


Web Designer & Web developer
Mohamed Afify
mohamedbedar15@yahoo.com
مواقع التواصل الإجتماعي
جميع الحقوق محفوظة
للجمعية العربية لتكنولوجيات التربية